الراغب الأصفهاني
1333
تفسير الراغب الأصفهاني
ما قد سبق من كلامه ، وإلا فأي ذي مسكة من العقل يقول : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، ثم يقول منكرا على ما قال ذلك ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ « 1 » فيثبت ما قد نفاه ، وينقض ما قد بناه ، هذا من طعن الملحدة « 2 » ، فأما أهل الشرع فقد « 3 » تعلق بالآية الأولى الفرقة التي لقبها المعتزلة بالجبر « 4 » ، فقالوا : إن قوله : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عام يدل على أن الأفعال الظاهرة من العباد هي من اللّه ، وتأولوا قوله تعالى : وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ يقتضي أن لا ينسب فعل السيئة إلى اللّه تعالى بوجه « 5 » ، وجعلوا الحسنة والسيئة في الآية الأولى بمعنى
--> ( 1 ) سورة النساء ، الآية : 79 . ( 2 ) انظر : معالم التنزيل ( 2 / 252 ، 253 ) ، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ( 14 / 248 - 251 ) . ( 3 ) في الأصل ( قد ) والسياق يقتضي إضافة الفاء في أولها . ( 4 ) الجبر : هو نفي الفعل عن العبد وإضافته إلى الربّ تعالى ، وهم أصناف ، منهم من لا يثبت للعبد فعلا ولا قدرة أصلا ، ومنهم من يثبت له قدرة غير مؤثرة ، وأشهر فرقهم الجهمية . انظر : مقالات الإسلاميين ( 1 / 338 ) ، الفرق بين الفرق ص ( 194 ، 195 ) ، اعتقاد فرق المسلمين والمشركين للرازي ص ( 68 ) . ( 5 ) قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وأما السيئة : فهو إنما يخلقها بحكمة ، وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه ، فإن الربّ لا يفعل سيئة قط ، بل -